زكريا القزويني

457

آثار البلاد واخبار العباد

فكلّ على ذاك لاقى الرّدى * فبادوا جميعا وهم خامدونا وأمّا المدينة فطيّبة كثيرة الخيرات وافرة الغلّات . في أهلها من الرفق ولين الجانب وحسن المعاشرة . وكانت كرسي ملك بني سلجوق لهم بها آثار خيرات ؛ حكى صاحب عجائب الأخبار انّه كان بمرو بيت كبير ، ارتفاعه قدر قامة ، وكان محمولا على صور أربع من الخشب في جوانبه الأربعة ، وكانت الصور تمثال رجلين وامرأتين ، فزعم قوم أن ذلك البيت بيت ملكهم ، فنقضوه وانتفعوا بأخشابه ، فأصاب مرو وقراها جوائح وآفات وقحط متواتر ، فعلموا أن ذلك البيت كان طلسما لدفع الآفات . وليس لهذه المدينة عيب إلّا ما يعتري أهلها من العرق المديني ، فإنّهم في شدّة عظيمة منه ، قلّ ما ينجو منهم أحد في كلّ عام . ينسب إليها عبد اللّه بن المبارك الإمام العالم العابد ؛ حكي انّه كان بمرو قاض اسمه نوح بن مريم ، وكان رئيسها أيضا ، وكانت له بنت ذات جمال خطبها جماعة من الأعيان والأكابر ، وكان له غلام هندي ينطر بستانه ، فذهب القاضي يوما إلى البستان وطلب من غلامه شيئا من العنب ، فأتى بعنب حامض فقال له : هات عنبا حلوا ! فأتى بحامض فقال له القاضي : ويحك ! ما تعرف الحلو من الحامض ؟ فقال : بلى ولكنّك أمرتني بحفظها وما أمرتني بأكلها ، ومن لم يأكل لم يعرف . فتعجّب القاضي من كلامه وقال : حفظ اللّه عليك أمانتك ! وزوّج ابنته منه فولدت عبد اللّه بن المبارك المشهور بالعلم والورع . كان يحجّ في سنة ويغزو في أخرى . وحكي انّه كان معاصرا لفضيل بن عياض ، وفضيل قد جاور مكّة وواظب على العبادة بمكّة والمدينة ، فقال عبد اللّه بن المبارك : يا عابد الحرمين لو أبصرتنا * لعلمت أنّك بالعبادة تلعب من كان يخضب خدّه بدمائه * فنحورنا بدمائنا تتخضّب